المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النص القرآني وصناعة الوعي


ايمن مغازى
2021/07/10, 12:28 AM
http://www6.0zz0.com/2018/08/05/05/938366488.gif


النص القرآني وصناعة الوعي






مفتتح:

اللغة في واقع الجماعة الإنسانيَّة عمومًا تؤدِّي دورًا حيويًّا في عمليات التواصل والتعبير والرصد والتسجيل، ومِن خلالها يُمكن الوقوف على خصوصية كلِّ (أُمَّة)؛ بوصفها مكونًا مِن مكونات الهُويَّة التي تمنحها حضورًا واضحًا يُميِّزها عن غيرها.



واللغة العربية تحظى بشرفٍ رفيعٍ يُعلِّله نزول النصِّ القرآنيِّ؛ خاتم النصوص السماويَّة بها؛ ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 28]، ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 192 - 195]، وصياغته بها تأتي في سياقٍ ذي سمة بلاغيَّة تَميَّز بها كلُّ الأنبياء؛ فمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم عربيُّ النشأة واللسان، ومِن جماعةٍ عربيَّة يعود أصلها إلى نبيِّ الله إسماعيل، أول مَن نَطَقَ بالعربية؛ ومِن ثمَّ فإنَّ دعوته التي استعان فيها بكلام الله (القرآن الكريم) تنسجم وتقويةَ منظومات التواصل بينه وبين مَن يدعوهم، وهكذا الشأن مع كلِّ الرسل الذين حملوا أمانةَ الدعوة إلى الله مع أقوامهم؛ ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾ [إبراهيم: 4].



إنَّ المشترك اللغويَّ الواحد الذي يلتقي عنده كلُّ رسولٍ ومَن كُلِّف بمهمَّة دعوتهم إلى عبادة الله الواحد أمارة بلاغة؛ فمطابقة الكلام لمقتضى الحال أولى أشكالها: وحدة اللغة بين المتكلِّم والمتلقِّين لحديثه، يعزِّز هذه البلاغة وَحدةُ الجنس بين الاثنين؛ فكلا الطرفين مِن جنس البشر مردُّهم جميعًا إلى آدم؛ ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: 9] فهم لا يطيقون رؤية المَلَك؛ ومن ثَمَّ صار لزامًا أن يكون من جنسهم، بل من عشيرتهم؛ يعرفونه ويعرفهم، ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110] هنا تأتي لفظة أخ في تركيبٍ إضافيٍّ في مواضعَ عديدةٍ يتغيَّر فيها موقع المضاف إليه ترسيخًا لهذه الحال الذي لا بد منها لضمانِ تواصلٍ لغويٍّ تتحقَّق له شروط البقاء والنجاح؛ ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ [الأعراف: 65]، ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ [الأعراف: 73] ﴿ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ﴾ [الأحقاف: 21].





صناعة المعجم حالة ثقافية بشرية:

إنَّ البشر في علاقاتهم التفاعليَّة تنشأ بينهم منتجات لغويَّة تصير بمثابة عقد اجتماعيٍّ مألوف متداول، هذا العقد الاجتماعيُّ المرتبط باللغة عبارة عن المعاني الموضوعة للملفوظات المحمولة شفاهةً أو كتابةً في عمليات التواصل الناشئة بين أفرادها، وتأتي صناعةُ المعاجم لتكونَ بمثابة مرآةٍ عاكسة وشاهدة وحافظة لهذا العقد، وإلى هذه المعاجم يعود المعنيُّون باللغة بحثًا ودراسةً، بناءً على دوافعَ تُحدِّدها مهمَّة الدارس الباحث.



والمعاجم في وضْعِها تتخذ مسارينِ:

• معاجم متخصِّصة، لما يُطلق عليه المعنى اللغوي (العام) للمفردات، تتخذ لنفسها في التبويب والترتيب منهجيَّات تُعرَف بها.



• ومعاجم مهتمَّة بما يُعرف بالمعنى الاصطلاحيِّ (الخاص) التي تضع للمفردة/ المصطلح المعنى بناءً على الحقل المعرفيِّ المحدَّد الذي يَنضوي تحته المعجم.



وإذا ما نَظَرْنا إلى الشكل الأول في ثقافتنا العربيَّة نجد مصنَّفات معجميَّة كثيرة في هذا الشأن؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: القاموس المحيط للفيروزابادي، ولسان العرب لابن منظور، والمعجم الوسيط في عصرنا الحديث الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة مع نهايات النصف الأول من القرن العشرين.



أمَّا عن الشكل الثاني فلكلِّ مجالٍ معرفيٍّ - في الغالب - معاجم تركِّز على المصطلحات الشائعة التي ترتبط به، والتقاط المعاني في كلا الشكلين يأتي مِن خلال الوقوف على اللغة في شقِّها الأدائيِّ التداوليِّ المتصل باستخدام الجماعة اللغويَّة لها؛ إذ للغة مرجع قانونيٌّ نظريٌّ حاكم يشير إليه ما يسمَّى بالقاعدة (نحو اللغة)، ولها مظهر تتجلَّى مِن خلاله، هو مستوى الاستعمال؛ (توظيف ألفاظها وتراكيبها في عمليات تواصليَّة لا تتوقَّف).





النص القرآني والملفوظ وثراء الدلالة:

والقرآن كلام الله المنَزَّل بلفظه وبمعناه على نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، منجَّمًا على مدار ثلاث وعشرين سنة، يضع ما يمكن تسميته دلالات لمفردات يبدو حضورها في حياة الجماعة وفي معاجمها بمعانٍ تتسق - في الغالب - مع واقعها الأرضيِّ؛ فيأتي النصُّ القرآنيُّ ليضيف إليها مزيدًا من التحديد والضبط بما يَنسجم وغايته في الهداية والوصول بالنفس الإنسانيَّة إلى حالٍ مثاليَّة في علاقتها بالله وعلاقتها بغيرها في دنياها؛ ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإسراء: 9، 10].



والنصُّ القرآنيُّ في هذه العملية لا ينقطع، أو ينفي المعلوم في وعي الجماعة؛ لكنه يُجادله بالإضافة إلى الوعاء الدلاليِّ للملفوظ بغَرَض التأثير الإيجابيِّ في المتلقِّي.



والحركة الذهنية والقلبية في داخل كتاب الله لا تشبع منها نفسُ المؤمن التوَّاقة للمعرفة والارتواء، ويمكن الوقوف على نماذجَ لبعض المفردات التي أضاف النصُّ القرآنيُّ إلى رصيدها في المعنى بما يتلاءم وغايته في التبشير والإنذار؛ ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ﴾ [مريم: 97].





نماذج تطبيقية:

ويمكن الوقوف عند هذه النماذج في إطار ثنائيَّة السؤال والجواب على هذا النحو:

مَن المتقون؟

في سورة البقرة ضابط محدَّد وكاشفٌ لصفة المتقين:﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 1 - 5].



وتصير الصفة - في الغالب - بمثابة سلطة محرِّكة للذَّات، فيترتَّب عليها سلوكٌ عمليٌّ تؤدِّيه تبعًا لها، في ظل ثنائية (الصفة والفعل الناجم عنها المؤكد لاتصاف الذَّات بها)، نرى ذلك في كلام ربِّنا في قوله تعالى - على سبيل المثال -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201].



إنَّ التقوى معجميًّا التي تقف بنا أمام معاني الخوف والاختباء والاحتماء تزداد ألقًا ووضوحًا وتحديدًا في إطار صياغة علاقة مثاليَّة تتحقَّق لها أمارات النجاح والفلاح بين العبد وربِّه، والعبد والكون الذي يحتويه ويشهد على حركته فيه، هكذا يتحقَّق الانتقال مِن مطلق المعنى، إلى ما يمكن تسميته: ضابط المعنى، مِن خلال النصِّ القرآنيِّ وتعريفه لاسم الفاعل (المتَّقي).





مَن السفيه؟

إنَّ السفه لغةً: خفَّة وطيش وسوء تصرُّف وسلوك، وضعفُ رأيٍ، وفي النصِّ القرآنيِّ ننظر إلى هذه الحال بالربط بينه وبين المعتقد، نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [البقرة: 130]؛ إنَّ مخالفةَ المعتقَد إذًا والعدول عن الحقِّ إلى الباطل سَفَهٌ وفق منظور القرآن، ويُصبح على الضدِّ منه في المعنى والحال بالطبع - الحنيفُ الذي عدل عن الباطل إلى الحقِّ، وأسلم وجهَه لله موحدًا ومؤمنًا به إلاهًا وربًّا لا شريك له في أسمائه وصفاته، ويأخذنا هذا التضاد بين (سفيه وحنيف) إلى تصنيف وتحديد وتمييزٍ نقف عليه في مواضعَ عدَّةٍ؛ منها قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67]؛ مِن متعلقات السفَه إذًا الشرك، ومن متعلقات الحنيفية إذًا الإسلام.



ويسير المسافر عقلًا وقلبًا مع النصِّ القرآنيِّ مع توابع أو لنقل متعلقات الاثنين؛ فيتوقَّف مع السفه أمام قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142] في إشارةٍ إلى اليهود وموقفهم مِن حادثةِ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.



ومع الحنيفية نقرأ قوله تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 95]، وقوله تعالى: ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الحج: 78].



مَن الخاسر؟

إنَّ الخسارة في اللغة تحيل إلى معاني الفقد والضياع، والضلال والهلاك، وفي النصِّ القرآنيِّ يتعلَّق الأمر بمسألةِ النجاة أو الوقوع في العذاب ومفارقة الأحبَّة مِن الأهل في مشهد يوم القيامة؛ يقول الله تعالى: ﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الزمر: 15].



إذًا؛ تكون النجاة ويكون الفوز الذي لا فَقْدَ معه ولا ضياع أبدًا في التلبُّس بهذه الحال الإيجابيَّة الآتية بعد أداة الاستثناء (إلا) التي نتأمَّلها في قوله تعالى في سورة العصر؛ ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].



ويتعلَّق بالخسران العقبة التي تحول بين العبد والعبور والاجتياز والنجاة؛ ومِن ثَمَّ إدراك المغنم الحقيقيِّ الأبديِّ في الآخرة، وعبور هذه العقبة له شروطه التي نجدها في قوله تعالى في سورة البلد: ﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ﴾ [البلد: 11 - 20].



إنَّه الإيمان مع العمل الصالح إذًا، الذي مِن أماراته عتق الرقبة، وإطعام الطعام للفقير والمسكين؛ فييسِّر لصاحبه بإذن الله سُبُلَ السلام والفوز والنجاة مِن الخسارة والمصير الملازم لها برحمة الله.





ما الخزي؟

إنَّ من معاني الخزي في اللغة الوقوع في البليَّة والشرِّ والافتضاح، وفي القرآن الكريم يتلبس المعنى بهذه الحال المأساوية؛ ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [آل عمران: 192]، وتفسِّر هذه الحال معنى الخزي في دعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 87 - 89].





ما الدنيا؟

حياة الإنسان على هذه الأرض تُمثِّل المرحلةَ الثالثة التي يسبقها الوجود في عالم الذَّرِّ (أصلاب الرجال)، ثم الوجود الجنينيِّ (بطن الأم وتشكُّل الإنسان فيه)، وقد وضع النصُّ القرآنيُّ ضابطًا يرصد مِن خلاله حالها ومكانتها، ويحدِّد على وجه الحقيقة المطلقة قيمتَها، ونظر الناس إليها، في أسلوبٍ يقوم على القَصْر والتخصيص، نستطيع أن نقول: إنَّه التعريف الربانيُّ للحياة الدنيا؛ ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، أمَّا الآخرة فإنَّ العلاقةَ بينها وبين الدنيا تقوم على ما يمكن تسميته: جناس ناقص؛ فهي وفق المنطوق القرآنيِّ حيوان، لكن شتان في المعنى بين حياةٍ وُصِفَت بأنَّها متاع الغرور، وحياة وُصِفَت بأنها الحيوان؛ أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا موت فيها ولا زوال لها، نعيمها للمؤمن مقيم لا ينقطع؛ يقول تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].





ما السمع؟ وما البصر؟

إنَّ القرآن الكريم يرتقي بالملفوظ، ويتجاوز معناه المعجميَّ الضيق، ونستطيع وفق هذه الحال أن نقول: إننا في معالجة الملفوظ الوارد في القرآن بصدد ما يمكن تسميته أرضية المعنى وسماوية المعنى؛ إنَّ النصَّ القرآنيَّ يمنح للمفردة وجودًا مميزًا من خلال رصده لها في السياق محل الاهتمام، وفي القرآن دعوات إلى السمع وإلى البصر نجدها مسبوقةً بهذه الصيغة (ألا)، على سبيل المثال: ﴿ أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴾ [السجدة: 26]، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾ [السجدة: 27].



إنَّ المهمَّ ضابط المعنى، لا حرفية المعنى؛ إذ ليس المقصود السمع مجرد السمع، ولا البصر النظر بالعين، لكن المراد الأَثَر الذي يرضاه الله، أن يكون عمل هاتين الجارحتين والناتج عنهما وفق مراد الله؛ لذا نتابع المسير ليزداد المعنى ألقًا؛ ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].



وفي سياقات ذمِّ السمع والبصر عندما تعطِّلهما الجماعة عن العمل الحقيقيِّ في إنشاد الحقِّ واتباعه يمكن الوقوف على أمثلةٍ من كتاب ربِّنا؛ ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 7]، ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [يونس: 43]، ﴿ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ [هود: 20]، ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: 22]، ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الملك: 10]؛ إنه الإيمان إذًا وإدراك الحقِّ والعمل بمقتضى الأمر والنهي اللذين جاءا مع دعوةِ الأنبياء والمرسلين؛ لذا يكون ناتج ذلك كلِّه أن تُنعت هذه الطائفة بالشرِّ المطلق، مقارنةً بغيرها مما يدب على الأرض؛ ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنفال: 55].



ولا شك في أنَّ للعقل وللقلب وحالهما دورًا مؤثِّرًا في عمل هاتين الجارحتين؛ أي: السمع والبصر على النحو الأمثل، يشير إلى هذا حديث نبيِّنا صلى الله عليه وسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً إذا صلحتْ صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدتْ فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلبُ)).



ويلحق بهذا المقام قول الشاعر:

فانظُرْ بعقلك إنَّ العين كاذبة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
واسمع بحسِّك إنَّ السمعَ خوَّانُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif

ولا تقلْ كل ذي عينٍ له نَظَر https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
إنَّ الرعاة ترى ما لا ترى الضَّانُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif







ما الباطل؟

إنَّ الباطل معجميًّا يعني: الضياع والفساد وسقوط حُكم الشيء، وفي القرآن الكريم يتحدَّد هذا المعنى وينضبط عندما نقف أمام قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [الحج: 62]، ويلحق بثنائية (الحق والباطل) في هذه الآية المعنى الوارد في قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]؛ هكذا يصير من متعلقات الحقِّ (الرشد، الإيمان بالله، العُروة الوُثقى)، ويصير مِن متعلقات الباطل (الغي، الإيمان بالطاغوت، الظلم)، هذا الظلمُ - الذي يعني معجميًّا: الاعتداء على الحقوق، أو سَلْب حقوق الآخرين، أو بَخْسها، أو منعها - أوضحُ معانيه: اعتداء الإنسان بمعتقده على الإيمان وفكرة التوحيد الخالص لله بالكفر والشرك؛ لذا نجد من وصايا لقمان لابنه وهو يَعِظُه في القرآن قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]،ونتأمل قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [النساء: 160]،وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].





تعليق ختامي:

ولا شك في أنَّ هذه الإحالات بفضل تجاور المعنى تُضفي على النصِّ القرآنيِّ في مجمَلِه تماسُكًا على مستوى الصياغة اللفظية والدلالية أيضًا فيما يُعرف في علم لغة النصِّ بـ (السبك والحبك)، وينسجم هذا الشأن مع هذه المقولة الأثيرة التي أخذتْ مكانها في علم التفسير: "القرآن يفسِّر بعضه بعضًا"، التي قال بها عددٌ مِن مشايخ المفسرين؛ كابن كثير، والقرطبي، والآلوسي، وغيرهم.



وفي السُّنَّة النبويَّة المشرَّفة كما في القرآن إعادةُ توجيه لوعي المتلقِّي، مِن خلال صياغة مفاهيم بطريقة تتفق ومرادَ الله سبحانه وتعالى في الاستقامة؛ مِن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

مفهوم الكَيِّس ومفهوم العاجز: ((الكيس مَن دان نفسَه وعَمِل لما بعد الموت، والعاجز مَن أَتْبَع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأمانيَّ)).



مفهوم الغنى: ((ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغنى غنى النفس)).



مفهوم المفلس أو الفقير: ((أتدرون مَن المُفْلِس مِن أُمَّتي؟))، قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا دينار ولا متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المفلسُ مِن أُمَّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقَذَف هذا، وأكلَ مال هذا، وسَفَك دمَ هذا، وضرَب هذا، فيقتص لهذا مِن حسناته، ولهذا مِن حسناته، فإذا فنَيِتْ حسناته قبلَ أن يقضي ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم فطُرِحَت عليه ثم طُرِح في النار)).

MsySat
2021/07/10, 05:40 AM
. بارك الله فيك وجزاك خير وجعله فى ميزان حسناتك